في عالم الشعر والأدب والمحافل الثقافية العربية واليمنية على الدوام، ما جعله في مصاف الشعراء والأدباء الكبار كأمل دنقل والسياب ومحمود درويش ونزار قباني وسعدي يوسف وأدونيس وصلاح عبد الصبور وغيرهم. وبهذا المستوى نفسه من الحضور، حضر المقالح في عالم الأكاديميا مدرّساً للأدب والنقد في جامعة صنعاء وصاحب نتاج نقدي أدبي كبير. وأحال المقالح صنعاء إلى منتدى أدبي عربي مفتوح دائم الانعقاد طوال ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، حيث كانت تُقام المنتديات الشعرية والثقافية والأدبية العربية كل عام، ودعا إليها كل النقاد والشعراء والمفكّرين العرب، الذين عرفوا صنعاء واليمن من خلال نافذة عبد العزيز المقالح، الذي كان كتلة من نشاط وكرم وعطاء فكري وثقافي لا ينفد. بين حياتين متناقضتين، الحياة العملية مسؤولا لإدارة واحدة من أكبر الجامعات اليمنية، ومحاضراً دائماً فيها وفي غيرها، عدا عن كل هذا الكم الفكري والأدبي والشعري. لا شيء يمكن أن يخبرنا عن سر كل هذا الإبداع والحضور والتجلي سوى شخصية المقالح، المثقف الحقيقي والمتصوّف والمتحد بهموم الناس وبالعلم والإنجاز، بالمقالح المتلئ حباً للناس، هذا هو السرّ الذي يجعلك تعطي فوق قدرتك وطاقتك المحدودة كإنسان. وهذا هو السر الذي أوجد كل هذا الحضور المترامي لشخصية المقالح في نفوس اليمنيين وغيرهم، بمختلف مدارسهم وأحزابهم وتياراتهم ومذاهبهم، هذا الحضور الباذخ بالحب والقبول الذي يرى في المقالح نموذجا للمثقف الحقيقي، الذي لم تغره السلطة ولا الشهرة ولا المكانة، الحضور الممتدّ على امتداد جغرافيا العرب الكبيرة. لم تتجسّد شخصية المثقف الحقيقي في الحالة اليمنية كما فعلت شخصية عبد العزيز المقالح لقد حافظ على شخصيته مثقفا عابرا للأيديولوجيات، مترفعاً عن مفاسد السلطة ومغانمها، ومع ذلك أدار علاقته بالسلطة بأعلى درجات الحذر والاقتدار، فلم ينخرط في جوقتها ولم يصادمها، وظلّ يدير علاقة من نوع آخر تحافظ على مسافة للحضور بين السلطة ومعارضيها، بحيث يبقى بمثابة جسر تواصل بين الحالة الإبداعية والناس وبين هذه السلطة التي كانت تعمل على توتير علاقتها بالنخب المثقّفة، حتى تبني سردية أمنية على خلفية أزمةٍ أمنيةٍ تختلقها السلطة مع المثقف والمثقفين عموماً. ولهذا ظلّ المقالح حاضراً في ضمير الناس ووجدانهم، يحظى بكلّ أجناس الاحترام والتقدير، ممسكاً بخيط البقاء في أوساط الناس وقضاء حوائجهم، ولم يعزل ذاته ونفسه داخل قفص النخبوية والأهمية المتوهمة والمزعومة، بل ظلّ حاضراً كإنسان في متناول كل صاحب حاجة، ولم يختلق حول نفسه تلك الهالة الطاووسية التي يشيعها حول أنفسهم بعض الممتلئين بكل شيء إلّا الثقافة والمعرفة. رحم الله المقالح، الرمز الجمهوري الكبير، وأحد أعمدة الإبداع اليمني والعربي ككل، وكم كنا نتمنّى أن تُعلن حالة الحداد وتنكّس الأعلام بوفاته، وأن ينصب له تمثال كبير في أهم ميادين المدن اليمنية المحرّرة، كتعز وعدن وحضرموت، فالرجل ترك تراثاً فكرياً وثقافياً وأدبياً كبيراً، عدا عن عشرات آلاف الخرّيجين الذين مروا على يديه في جامعة صنعاء، وكلّ هؤلاء كانوا من حسنات المقالح الكثيرة. ختاماً، ربما لم تتجسّد شخصية المثقف الحقيقي في الحالة اليمنية كما فعلت شخصية عبد العزيز المقالح، هذا التجسيد الذي تمثل بهذا الإجماع الكبير على مكانته، ودوره وأثره في الحياة العامة اليمنية والعربية، واحداً من أهل الحداثة والتنوير. هو هامة عصيّة على الغياب والنسيان، ومن القامات الكبيرة التي تتحوّل إلى أيقونة خالدة في ضمائر الشعوب والأمم، وتظل تلهم الأجيال وترشد السائرين على دروب الحرية والكرامة. *العربي الجديد
